ابن عجيبة
588
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
فلأنه جملة من مبتدأ وخبر ، أي : فهو يكون . ومن نصب فللعطف على « يقول » . والمعنى : أنه ليس ممن يلحقه نصب ولا مشقة ، ولا يتعاظمه أمر ، بل إيجاد المعدومات ، وإعدام الموجودات ، عليه أسرع من لمح البصر ه . فَسُبْحانَ ؛ تنزيها له مما وصفه به المشركون ، وتعجيب مما قالوا ، الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ أي : ملك كُلِّ شَيْءٍ والتصرف فيه على الإطلاق . وزيادة الواو والتاء ؛ للمبالغة ، أي : مالك كلّ شئ ، وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ بالبعث للجزاء والحساب . الإشارة : أو لم ير الإنسان أنّا خلقناه من نطفة مهينة ، فإذا هو خصيم لنا في تدبيرنا واختيارنا ، وينازعنا في مرادنا من خلقنا ، ومرادنا منهم : ما هم عليه . فاستحى أيها الإنسان أن تخاصم اللّه في حكمه ، أو تنازعه في تقديره وتدبيره ، وسلّم الأمور لمن بيده الخلق والأمر . بكى بعض الصالحين أربعين سنة على ذنب أذنبه . قيل له : وما هو ؟ قال : ( قلت لشئ كان : ليته لم يكن ) . فارض بما يختاره الحق لك ، جلاليا كان أو جماليا ولا تختر من أمرك شيئا ، واللّه يعلم وأنتم لا تعلمون . وكل من اهتم بأمر نفسه ، واشتغل بتدبير شؤونها ، فقد ضرب للّه مثلا ، بأن أشرك نفسه معه ، ونسي خلقه ، ولو فكر في ضعف أصله ، وحاله ، لاستحيا أن يدبّر لنفسه مع ربه ، وفي الإشارات عن اللّه تعالى : أيها العبد لو أذنت لك أن تدبر لنفسك لكنت تستحيي منى أن تدبر لها ، فكيف وقد نهيتك عن الندية ! . وكما قدر على إحياء العظام الرميمة ، يقدر على إحياء القلوب الميتة ، ومن قدر على استخراج النار من محل الماء ، يقدر على استخراج العلم من الجهل ، واليقظة من الغفلة ، ومن كان أمره بين الكاف والنون ، بل أسرع من لحظ العيون ، ينبغي أن يرجع إليه في جميع الشؤون . قال القشيري : فسبحان الذي بيده ملكوت كل شئ ، فلا يحدث شئ - قلّ أو كثر - إلا بإبداعه وإنشائه ، ولا يبقى منها شئ إلا بإبقائه ، فمنه ظهر ما يحدث ، وإليه يصير ما يخلق . ه . قال النسفي : قال صلى اللّه عليه وسلم : « من قرأ يس يريد بها وجه اللّه غفر اللّه له ، وأعطى من الأجر كمن قرأ القرآن اثنتين وعشرين مرة » وباللّه التوفيق ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم ، وصلى اللّه على سيدنا ومولانا محمد ، وآله وصحبه ، وسلم .